الفتية والإرث ـ إثبات الذات

جعفر الصادق طحان

عندما تنحصر معظم الثروة في حسابات العائلة الحاكمة مع تفضيل الاستثمار بشعوب غیر شعوبهم، سيكون للفشل الاقتصادي والفقر أثر بالغ في نمو مشاعر الاحباط والكراھیة، التي ستؤدي إلى انتاش العداوات التاريخية على مستوى الفرد وعلى مستوى العائلة والعشيرة وعلى مستوى المجتمع، یتخللھا خلافات نظرية واختلافات في الوجھة.

      ضمن ھذه المعطيات ومع وجود نخب متفككة التنظيم ومتعددة الأولويات ومتأثرة بثقافات متضادة،

قد یفقد المجتمع احترامه ويغیب ذاته عن الوجود الحضاري والأخلاقي والتقني، سيكون للحماس والعاطفة وللفتیة رد فعل مختلف، فمعظمهم لا یحملون ذاكرة تاريخية لأسباب الغيبوبة التي وجدوا أنفسهم فیھا، وھم متعطشون لإثبات الذات.

 وفي ظل غیاب النخبة الرائدة والقائدة والمتأقلمة مع الواقع، والمخططة للمستقبل، سيكون الباب مفتوحا أمام الفتیة للدخول في محاولة إثبات الذات، دون الاستناد إلى أرضية معرفية وبلا مرجعية واحدة.

وإذا تقهقرت السلطة وحدث الفراغ، سيملأه الفتیة المبادرون بدافع الحماسة لإثبات الذات على المستوى الفردي والجماعي، ومن المتوقع أن یؤیدھم المقهورون والمظلومون والفاسدون والسجناء والمحكومون والمطاردون والمطلوبون للجهات الرسمية ذات السمعة السيئة في مجال الحقوق والحريات، ونتيجة غیاب الخطة الشاملة لدى الفتیة ومیولھم للنزعة الفردية والحزبية وغياب قیم التعاون والعمل الجماعي،

ستكون بحاجة إلى مفهوم السمع والطاعة في محاولة منھا للسيطرة والتحكم على حركتها، ومع ترسيخ السمع والطاعة المقرون بغياب الخطة الواضحة لدى الفتیة ولتنوع أهداف المؤیدین والموالین،

سيكون لإثبات الذات الفردية من قبل البعض نصیب في صناعة رد الفعل ومحاولة أفراد أخرين إثبات ذاتھم، لتنشأ حالة توتر یستند إلى أرضية إثبات الذات وتدفع باتجاه التشظي والتلاطم. قد تؤدي إلى خلق صراعات دائمة تتفجر لأبسط خلاف بين الفتیة والمؤيدين والموالین لهم،

وفي حال توفر السلاح والدخول في أعمال عسكرية، سيكون الفتیة ھم الأكثر انقراضا وسيكون الموالون والمؤیدون من الأكثر استفادة وترقیا في سلم ملء الفراغ الناتج عن تقلص النظام القاھر، وهذا سيزيد التوتر ویزید الصراع لأن الموالين والسجناء والمطاردين لدیھم صراع فكري عميق ومتأصل سينقلونه إلى السطح مع ترقیھم ووصولهم إليه، وبذلك تكون محاولة إثبات الذات لدى الفتیة فشلت بسبب غیاب النخبة القائدة والمخططة والمرجعية الواحدة، وبفشلها تكون قد مھدت الطريق إلى محاولة إثبات الفكرة التي لا تنتھي إلا بتحطيم بعضها البعض وتدمير بعضها البعض وذلك لنفس السبب الذي أدى إلى فشل الفتیة.

إنتاش الإرث في البيئة الجديدة

جيل يرث عن جيل، نعم، ترث العائلات والعشائر المنافسة والعلاقات والتحالفات والذاكرة والقيم والعادات وفيها الغث والثمين والايجابي والسلبي ويخضع ذلك الإرث للتراكم المستمر والتغيير الدائم نتيجة الوعي الشبكي العابر للحدود، لذلك يحتاج الإرث إلى تنقيح مستمر وبناء متعاقب لتعزيز ماهو ايجابي نافع ونفي ما هو سلبي ضار.

قال رسول الله (ص): اذكروا محاسن موتاكم، وكفُّوا عن مساويهم. 

فالبعض يذهب إلى أن الحديث ذكر محاسن الموتى امتثال لأمر النبي فهو عبادة، والبعض يرى أنه نهي عن الغيبة حتى عن الموتى، والبعض يرى أنه تأكيد على الستر على العبد حتى بعد وفاته، ولست أنكر عليهم، والبعض يفهم ويفسر بطريقة لا أعرفها ولا أتوقعها.

لكن ما أريد أن أشير إليه أن المقصود المراد والمهم للنص هو ما يتعلق بالإرث، فرسم تصور ذهني ايجابي عن المتوفى ومحو التصور السلبي عنه، يرمي وينفي العوالق السلبية التي تصل إلى الذاكرة الجمعية عبر تناقل الأجيال، وهذا التنقيح المستمر مطلوب للذاكرة الاجتماعية المتوارثة.

أما إذا تراكم الإرث السلبي والايجابي بعضه فوق بعض وعلى أرضية رملية متفككة فتأكد أن الحركة قادمة، وإذا بدأت الدينامية وأفرز المجتمع طاقاته وبدأ التفاعل بین مكوناته، فستتحطم الروابط الأضعف أولا، وتتقطع التحالفات والمصاھرات لیزداد التفاعل نشاطا وشراھة، وبسبب التراكم العشوائي الغير منقح للإرث الثقافي، سيكون انزلاق المجتمع نحو المصيدة التي نصبها له خصومه انزلاقا سهلا.

إن بعض الإرث یعمل عمله كمادة مثبطة وبعضه یعمل عمله كمادة منشطة للتفاعل، ولا یھتم الارث بتوجيه الطاقة الناتجة عن التفاعل لأنه من الماضي وليس من المستقبل، وبما أن النخب في غيبوبة فلا وجھة للطاقة الناتجة، إنما ستستعر التفاعلات داخل المجتمع نفسه، التي وضعت محدداتها الدول ذات المصلحة.

فالعائلات والعشائر التي انخرط شبابها في صناعة التغییر، يتأثرون بالإرث الاجتماعي، فقد تجد بعضهم یدافع عن شبیح كانت بینھم علاقات أومصاھرات ، وتجد العكس، فقد تجد الحماس للقتل فیما یتعلق بالشبیحة التي ورث معھم علاقات سيئة ومتوترة، فيختلط الحاضر بالماضي ضمن المسعر الاجتماعي مع غیاب الرؤية الواضحة للمستقبل، ومع سیر التفاعل سترى العلاقات القديمة بدأت تعود وتظھر وتحاول توجبه الطاقة للماضي بدلا من صبھا في صالح المستقبل، لتعزیز القیم التي دفعت الشباب للتغییر، والشباب هم الأقل تأثر بالإرث الاجتماعي والأكثر انفتاحا وحماسة للتغيير وھم الأكثر عرضة للقتل، أما الرجال والشيوخ فھم الأكثر حرصا على الارث والتحالفات القديمة والأبعد عن الخطر، وهكذا تتداخل ارادة الجيل الجديد وتتصارع مع ارادة الجيل القديم في  المجتمع، ویتحول الصراع من صراع بین الشباب والسلطة إلى صراع بین الأجيال، وفي ظل غیاب المرجعية الواحدة القائدة والموجهة ، یدخل الشباب في تیه الصراع النفسي حينما یرون التغییر صعبا جدا، ویبدأ بالبحث عن خیارات أقل كلفة وأكثر جاذبية لھم، وغالبا ما تكون تلك الخيارات جاهزة، بدءا من قوارب الموت مرورا باللجوء وصولا إلى الجنسية والخروج من معادلة التغییر نھائیا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى