تصعيدٌ عسكريٌّ لروسيا و(نظامُ الأسدِ) جنوبي إدلبَ… الأسبابُ والمعطياتُ

تقرير- حامد العلي

صعّدت كلٌّ من روسيا و(نظامِ الأسدِ) بالإضافة إلى الميليشيات الإيرانية من حملة القصف على مناطق شمالِ غربي سوريا، وتركَّز على منطقة جبل الزاوية بشكل خاص والذي أدى إلى استشهاد عشراتُ المدنيين أغلبُهم أطفال ونساء.

ونسفت روسيا بحملة التصعيد مسارات جنيف وأستانا التي تمَّ الاتفاق عليها بين الدول الضامنة (روسيا وإيران وتركيا)، وسط ردٍّ من القوات التركية المنتشرة في إدلبَ والفصائل الثورية المدعومة من أنقرة.

حصيلة التصعيد العسكري شمال غربي سوريا

بدأت الحملة العسكرية من قِبل روسيا وإيران و(نظام الأسد) منذ بداية شهرِ حزيران الماضي مخلّفةً عشرات الضحايا نتيجةَ القصف المركز بقذائف كراسنبول المتطوّرة والموجّهة بالليزر على المناطق الآهلة بالسكان.

ووثَّق الدفاع المدني السوري (الخوذ البيضاء) أكثرَ من 287 هجوماً على شمال غربي سوريا منذ بداية شهر حزيران الماضي وحتى يوم أمس الخميس 21 تموز تركّزت على مناطق جبل الزاوية جنوبي إدلبَ، ومناطق سهل الغاب بريف حماة، بحسب ما ذكر وسام زيدان من فريق الدفاع المدني بإدلبَ.

وأوضح زيدان في حديثه لـ”جريدة شامنا” أنَّ تلك الهجمات تسبّبت بسقوط 82 شهيداً من بينهم 23 طفلاً وطفلةً و16 امرأةً، بالإضافة إلى فقدان الدفاع المدني لمتطوعين اثنين إثرَ تلك الهجمات.

وأضاف زيدان أنَّ الدفاع المدني تمكّن من إنقاذ أكثرَ من 210 أشخاصٍ من بينهم 50 طفلاً وطفلة أعمارهم تحت سن 14 عاماً نتيجة الهجمات الجوية والمدفعية التي شنّتها قواتُ الأسد وروسيا.

ويدفع استمرارُ عمليات القصف الممنهج من قِبل قوات الأسد وحلفائها عدَّة عوائل  للنزوح من جبل الزاوية، وشكَّل حالة من الرعب لدى آلاف القاطنين في قرى وبلدات جبل الزاوية، ما ينذر بكارثة إنسانية في حال استمرار القصف، فهو يضع المدنيين بين سندان الموت ومطرقة التهجير.

أسباب التصعيد

يرى الكاتب السوري حسن النيفي في تصريحٍ خاص لـ”جريدة شامنا” أنَّ ما هو مؤكّد أنَّ حلفاء النظام (الروس والإيرانيين) يقاتلون نيابةً عن (نظام الأسد) ، مشيراً إلى أنَّ هذا هو مصدر قوة النظام.

ويؤكد النيفي أنَّ ثمّةَ استراتيجية روسية تهدف إلى تمكين (نظام الأسد) من السيطرة على كامل الجغرافية السورية وتجدها فرصة مناسبة باتجاه إدلب بذريعة تواجد تنظيمات إسلامية متشدّدة فيها، كما وتتخذ من وجود هيئة تحرير الشام ذريعة لاستهداف المدنيين والبُنى التحتية، بالإضافة إلى أن موسكو تريد الانتقام والتنكيل بحاضنة الثورة من سكان مدنيين ومستشفيات ومرافق عامة.

ومن جهته يرى الباحث في مركز جسور للدراسات “وائل علوان” أنَّ التصعيد المستمرَّ في إدلب أو الاختراقات التي تمارسها روسيا بالإضافة إلى قوات الأسد والقوات الإيرانية لها أهدافٌ عامة هي منعُ استقرار المنطقة ومنعُ عودة النازحين إلى بيوتهم وممتلكاتهم وتثبيتُ الوضع الراهن.

ويوضح علوان في حديثه لـ”جريدة شامنا” أنَّ روسيا ما تزال غيرَ راضية وماتزال تطمع أنْ يسيطر (نظام الأسد) بشكل كامل على كافة الأراضي السورية، وإبقاء المناطق الخارجة عن سيطرة النظام في حالة لا استقرار.

ويضيف علوان أنَّ الأسباب المباشرة للتصعيد الحالي في شهر تموز الجاري تزامن مع جولة أستانا 16، ثم استمرَّ بعدها يعود إلى استعجال روسيا للحصول على مكتسباتها التفاوضية في فتحِ المعابر ما بين مناطق النظام والمعارضة، وهو ما ترفضه تركيا.

ويرى المحلِّلُ العسكري والاستراتيجي العميد أحمد رحّال في تصريح خاص لـ”جريدة شامنا” أنَّ الحملة العسكرية التي تقودها طائراتُ قاعدة حميميم وطيرانُ الاستطلاع بقيادة ضباط روس دعماً لنظام الأسد وميليشيات إيران وحزب الله ضدَّ المدنيين في جبل الزاوية وأريحا وأرياف إدلبَ وحلبَ الغاية منها تهجيرُ المدنيين.

وينوّه رحال إلى أنَّ هناك خلافات واضحة ما بين تركيا وروسيا وواضح أنَّ موسكو تمرّدت على كلِّ التوافقات والتعهّدات التي أعطتها لأنقرة أو التي أكَّدت عليها في اجتماعات أستانا، كما أنَّ أنقرة لا تستطيع أنْ تفيَ بالتعهدات التي أعطتها للثورة السورية.

ما احتمالية شنّ روسيا و(نظام الأسد) حملةً عسكريّة جديدة جنوبي إدلب؟

ويتخوّفُ المدنيونَ في شمالِ غربي سوريا من حملةٍ عسكرية جديدة قد تؤدّي إلى كارثة إنسانية حقيقية في حال شنّتها روسيا و(نظام الأسد)، وسطَ الحديث عن تهديد محتّمٍ جرَّاء التصعيد الأخير.

ولا يرى الباحث وائل علوان وجود مؤشّرات سياسية ولا عسكرية لحملة عسكرية جديدة باتجاه إدلب، منوّهاً إلى أنَّ كلَّ هذا القصف والتصعيد هو ضغطٌ سياسي تفاوضي من أجل حصول روسيا على مكتسبات سياسية وتفاوضية، بالإضافة إلى إيصال رسائل بأنَّها قادرة على زعزعة استقرار المنطقة وعلى الاستمرار في التصعيد إذا لم تحصل على المزيد من المكتسبات سواءً مع تركيا أو مع الغرب عموماً.

ويُشير علوان إلى أنَّ روسيا تحاول إيصال رسائل بأنَّها قادرة على إحداث ضغط كبير لا سيما في موضوع اللجوء والنزوح حتى تكسب مزيداً من التقدّم سواءً في مكتسبات بمختلف مناطق سوريا، أو من قبيل تخفيف الضغط على (نظام الأسد) وفتحِ المعابر ما بين مناطق النظام والمعارضة.

بينما يرى العميد أحمد رحال أنَّ المراهنات على ضغوط سياسية وعلى ردود خجولة يشكّل خطورة كبيرة ليس فقط على جبل الزاوية، وإنَّما قد تكون مناطق الجبل هي مرحلة من أجل الانقضاض الكامل على كامل مناطق جنوب طريق M4 الدولي والذي يشكّل ضغطاً سكانيّاً كبيراً.

ويشير الرحّال إلى أنَّ هذا الأمر يضع المخيّمات تحت مرمى النيران إذا سيطر النظامُ على جبل الأربعين أو في حال وصوله إلى جنوب طريق M4، وبالتالي هناك تهديد وحالة ضغط كبيرة للتهجير إلى الأراضي التركية وهو لا يخدمُ الأمنَ القومي التركي ولا يخدم سياسة أنقرة، كما أنَّه لا يخدم الثورة السورية على الإطلاق.

موقفُ الفصائلِ الثوريّةِ وتركيا من حملةِ التصعيدِ

يقول النقيب “ناجي مصطفى” الناطق الرسمي باسم الجبهة الوطنية للتحرير أنَّ الفصائل الثورية تقوم بالردِّ الفوري المباشر على هذا التصعيد والقصف والمجازر التي تقوم فيها قواتُ الأسد وروسيا والميليشيات الطائفية، وذلك من خلال استهداف المواقع العسكرية للعدو في أكثرَ من منطقة كسراقب وجورين وخان السبل ومعصران ومعرّة النعمان وكفربطيخ وكفرنبل، وتحقيق إصابات مباشرة وخسائر.

ويؤكّد مصطفى في حديثه لـ”جريدة شامنا” أنَّ الفصائل الثورية مستعدّةٌ بشكل كامل ورفعت الجاهزية على كامل الجبهات تحسّباً لأيِّ سيناريو قد تقوم به قواتُ الاحتلال الروسي، من خلال تعزيز الجبهات لصدِّ أيِّ محاولة تقدّمٍ محتملة.

ومن جهته يقول العميد أحمد رحال أنَّ الضامن الذي يضمنُ النظامَ وحزب الله وإيران هو روسيا، متسائلاً من الذي سيضمن الروسَ، وهم من يقومون بالعمليات الإجرامية وارتكاب المجازر.

ويطالب رحّال من تركيا إعطاءَ الضوء الأخضر للفصائل في الجبهة الوطنية للتحرير والجيش الوطني في مناطق “إدلب” و”درع الفرات” و”غصن الزيتون” بفتح معاركَ جديدة على مواقع مختلفة للنظام ابتداءً من جنوب مدينة الباب شرقي حلب مروراً بريف حلب الغربي وكافة خطوط التماس حتى الوصول إلى تلال الكبينة شمالي اللاذقية

ويشدّدُ رحال على أنَّ (نظامَ الأسد) المدعوم من روسيا إنْ لم يتلقَ ضربةً موجعة وإنْ لم يشعر بتهديد حقيقي لمواقعه لن يتوقّفَ عن هذه الحملة.

وبدوره يرى الكاتب السوري “حسن النيفي” أنَّ تركيا ليست عاجزة أمام روسيا في سوريا ولكنَّ مصالحها لا توجب عليها مواجهة عسكرية معها، وذلك بحكم أنَّ المصالح الاقتصادية بين الطرفين تتجاوز من حيث الأهمية مصلحة السوريين.

بينما يخالف الباحث وائل علوان هذه الرؤية ويؤكّد أنَّ تركيا كانت قد تدخّلت بشكلٍ مباشر لإيقاف تمدّد النظام واقتحام المناطق المحرّرة وارتكاب الانتهاكات وذلك بدافع حفاظها على أمنها القومي ومستمرّة فيه، كما أنَّها أوصلت رسائل واضحة لروسيا بأنَّها لن تسمحَ لها بتقدّم النظام وستواجه ذلك بشكل مباشر ولديها قوات على الأرض قادرة على ذلك.

ويؤكّد علوان على أنَّ تركيا تجلس على طاولة مفاوضات مستمرّة مقابل روسيا وهي قادرة أنْ تصلَ مع الروس إلى صيغةِ تفاهم وإيقاف هذا التصعيد.

ويرجّح علوان أنْ تدعم تركيا الفصائل العسكرية لإيجاد ردٍّ عسكري يخلق حالةَ توازن نسبي وهو إحدى وسائل الجلوس على طاولة المفاوضات بشكل جدِّي.

الموقف الدولي مما يحصل في شمال غربي سوريا

يقول الكاتب السوري “حسن النيفي” يمكن التأكيدُ على أنَّ غياب الرادع الدولي هو ما يجعل روسيا تتمادى في عدوانها على إدلب، ولا يعتقد أنَّ التنديدات والمواقف الإعلامية الرافضة والاستنكار يمكن أنْ يردعَ (نظام الأسد) وحلفاءه، مؤكّداً أنَّ ما يحصل في جنوب إدلب هو حربُ إبادة حقيقية أمام موت الضمير العالمي.

ويرى الباحث وائل علوان أنَّ تركيا في سوريا تواجه ضغطاً وعدم تدخّلٍ مباشر من الولايات المتحدة الأميريكية لدعم موقف أنقرة المناهض لامتداد قوات الأسد وروسيا في إدلبَ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى