دورات في أصول تحقيق النصوص التراثية هي الأولى من نوعها في الشمال السوري

بدر حسين – شامنا



إنَّ تراثَ المخطوط هو الركيزةُ الأساسية التي تدعم الوجودَ الحضاري والهوية الثقافية للأمم، ذلك أنَّ موقعَ المخطوطات من التراث عمومًا هو موقعُ القلب من جسدِ حضارات الأمم.

إنَّ معظمَ التراث الإسلامي المخطوطِ لا يزال ينتظرُ اليدَ الحانية لتمتدَّ إليه وتخرجه من ظلمات مستودعات المخطوطات في مكتبات العالم، إلى نورِ الطباعة والنشر.

هناك الملايينُ من المخطوطات، تحمل آلافَ العناوين، وما نُشر منها حوالي عشرة بالمئة فقط، وهذا ما يجعلنا نقول بأنَّ هذا التراث العلمي الضخم ما زال في معظمِه مجهولٌ.

يُعدُّ إحياءُ هذا التراث ونشرُ خدمتِه العلمية الرصينة من طريق العناية بعلم تحقيق المخطوطات في تركيا وسوريا على وجهِ الخصوص، فتركيا تحتلُّ المكانةَ الأولى في العالم الإسلامي من حيثُ كونِها تضمُّ أكبرَ وأغنى المجموعات الخطيّة العربية في العالم، وسورية اشتهرت بمجموعتين من أغنى المجموعات في العالم وأعلاها قيمةً، هما مجموعة الظاهرية بدمشقَ ومجموعة الوقفية بحلب.

ولأهميّة الحفاظِ على المخطوطات أقيمت دوراتٌ أصول تحقيق النصوص التراثية في أعزاز برعاية رئاسة الشؤون الدينية في أنقرة وبالتعاون مع وقفِ الديانة التركي ودارِ المخطوطات بإستانبول.



موقعُ شامنا التقى عمار طاووز منسّقُ دورة تحقيق النصوص الذي حدّثنا عن أهميَّة الدورة قائلاً: تأتي هذه الدورة العلمية في ظلِّ مؤسسة غرَّاء، التي كانت قد رعتْ سابقاً دوراتٍ علمية في تحقيق النصوص من خلال مركز البحوث الإسلامية (إيسام في إسطنبول)، فتكون دورةُ أعزاز خطوةً جديدة في سياقِ نشرِ ثقافة تحقيق النصوص خارج حدود تركيا، تشترك فيها هاتان المؤسستان.

وأضاف طاووز أنَّ ثمَّة أمراً لا بُدَّ من ذكرِه في سياق الحديث عن الأهمية العامة لدورات تحقيق المخطوطات هو أنَّ ما حُقِّق من المخطوطات إلى الآن لم يستوفِ في معظمِه أصولَ التحقيق، ولم يوفَّ حقَّه من الدراسة. وهذا يعزِّز من أهمية قيام مثل هذه الدورات.

وأشار طاووز أنَّ هناك أمراً آخرَ يمكن إضافته لإبراز أهمية هذه الدورة هو قلَّةُ الدورات العلمية المنهجية التي تنشرُ ثقافةَ تحقيق النصوص في العالم، وقلَّةُ المؤسسات التي تُعنى بذلك، فهناك معهدُ المخطوطات العربية، وهناك مؤسَّسةُ الفرقان في لندن، وهناك مركزُ إحياء التراث في بغداد، وهناك مركز جمعة الماجد في دبي، وهناك الرابطةُ المحمدية للعلماء في المغرب، وهناك مركز البحوث الإسلامية (ايسام) في إستانبول.

فهذه المؤسسات معدودةٌ على الأصابع. ولو قارنّا هذا العددَ المحدود بآلاف الطلبة في الماجستير والدكتوراه الذين هم بحاجة إلى تعميم ثقافة تحقيق النصوص لوجدنا أنَّ الحاجة كبيرة، ولا يمكن تغطيتُها بهذه الجهود المحدودة.

وأكّد طاووز أنَّ الدورة تهدف إلى بثِّ تحقيق النصوص -بوصفه علمًا- في البيئات الأكاديمية، حيث يقوم على أصولٍ واضحة، ويسيرُ على خطىً منهجية مرسومة محدَّدة من أول العمل إلى نهايته، بدءًا من التفكير في التحقيق، ومرورًا بإجراءات التحقيق، وانتهاءً بخدمة التحقيق. مع الحرصِ على ألا تقلَّ نسبةُ التطبيقات خمسين بالمئة من الساعات المخصَّصة للدورة للجمعِ بين القسمين العملي والنظري.

وبيَّنَ طاووز أنَّ هذه الدورة بخلاف كثيرٍ من الدورات التي تكون بعيدةً عن المنهج الأكاديمي، والتي تهتمُّ بإجراءات التحقيقِ فقط وخطواته العملية، دون أنْ تكونَ مبنيَّةً على القواعد المنهجية لهذا العلم.

ومن جانبه قال عبد الله بدر شعبوق مدرّبُ تدريب المخطوطات تُعدُّ هذه الدورة تقدّميّة في تحقيق المخطوطات حيث تناولت الدورةُ مناهجَ تحقيق التراث بين النظرية والتطبيق ومبادئِ فهرسة المخطوطات وتجاربِ المحقّقين ومبادئ ترميم المخطوطات.

وأشار شعبوق أنَّ الدورة كانت على مستويين الأول دورة تأسيسية في أصول تحقيق المخطوط والقصدُ منها المدخلُ إلى علم المخطوط وبيئته وصفةِ التحقيق بين النص والوعاء والمفهوم والقيم إضافةً إلى ثقافة المحقّق اللغوية والمصطلحية والمرجعية والتاريخية أما المستوى الثاني كانت لمتقدمي أصولِ تحقيق المخطوطات.

وأضاف شعبوق أنَّ واقعَ المخطوطات اليوم هو في
تصحّرٍ من حيثُ تناولُ النصِ والمضمون وأيضاً تصحّرٌ وتلفٌ من حيث الجهل في أساليب الحفظ والرعاية.
وأكّد شعبوق أنَّ المخطوطات في سوريا غلبَ عليها الحرقُ أو الضياع أو السرقة وكان الهدف من الدورة خلقُ جيلٍ واعٍ لأهمية المخزون التراثي والاستفادة منه كما يجب إعطاؤه مستوى من الوعي في التعامل مع هذا المكنون الحضاري الثمين.

وفي السياق ذاته قال المتدّرب محمود مصطفى وهو أكاديمي جامعي لقد استفاد المتدرّبون في كثيرٍ من النقاط أهمّها قيمةُ المخطوط تكمن بما يحتويه من علوم إضافةً إلى أنَّ هناك أكثرَ من خمسة ملايين مخطوط يحتاج إلى تحقيق.

وأضاف مصطفى أنَّ قراءة المخطوط تحتاج إلى ثقافة وخبرةٍ في الاختصاص إضافةً إلى خبرة في أنواع الخطّ العربي لكلِّ فترة زمنيّة طريقةٌ في التأليف ونوعِ الخط والتأنق بالعبارات ولذلك يمكن معرفةُ الزمن الذي كُتب فيه المخطوط من خلال المخطوط نفسه.

وأشار مصطفى من خلال الدورة أنَّ هناك مخطوطات دخلَها كثيرٌ من التحريف ويمكن الكشفُ عن هذا التحريف من خلال مقابلة النسخِ المتعدّدة للمخطوط الواحد إذ لابُدَّ من التحقّقِ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى