ذاكرة السجن

مصطفى علي صبري

كنت قد تخرجت في قسم الهندسة المعمارية بجامعة دمشق، في العام 2002م، لم أضع الوقت، مباشرة، التحقت بالخدمة العسكرية، فمعي خدمة التدريب الجامعي، تزيح من دربي ستة أشهر، أي أنني سأخدم لمدة سنتين فقط، بعد إنهاء الدورة العسكرية، تبقى لي من خدمتي العسكرية سنة ونصف، وللمصادفة، فرزي العسكري، كان من غير واسطة، إلى المتحف الحربي بدمشق، على شباك التذاكر، كنت سعيدا أنني أستطيع كل يوم أن أعود إلى منزل أهلي، الذين لم تكن حالتهم المادية مريحة أبدا، فمنذ وفاة والدي، كنت أعمل إلى جانب دراستي، من سن الرابعة عشرة، كي أساعد أخي الأكبر في تأمين دخل للبيت، يقينا السؤال، والحمد لله، وصلت حتى الجامعة، ولم أنقطع عن العمل يوما واحدا، كنت أعمل أعمالا كثيرة، دهان، مع طيان جدران، في الحدادة، في البلاط، بائع معروك، وفي التمديدات الكهربائية، وهي المهنة، التي بقيت أعمل فيها حتى صار لي ورشة خاصة، وكانت تحقق لي دخلا جيدا، لم أنقطع عن هذه المهنة إلا فترة الدورة العسكرية، التي كانت تقتضي منا كطلاب جامعيين أن نخضع لها لمدة ستة أشهر، حين جاء فرزي الى المتحف الحربي، فرحت كثيرا، لأنني صراحة فكرت مباشرة بمتابعة عملي، وفعلا حدث ما أردت، تسلمت عدة ورش، نظمت أموري مع عمال أخرين في الورشة، كانوا يمهدون لي العمل، فيما أنجز أنا تمديد النقاط الكهربائية، وتوصيلها، بعد عودتي من الدوام ظهيرة كل يوم من المتحف الحربي، أحيانا، كان يزورني في المتحف زملائي في الجامعة، ممن لم يتخرجوا بعد، كانت زيارتهم جميلة، منها لنؤكد استمرار صداقتنا، ومنها أحيانا لتدارس بعض المسائل العالقة في بعض مواد الجامعية، كانوا أصدقاء وصديقات، في كل أسبوع نلتقي تقريبا، وهو أمر لا يؤثر على مجرى شباك التذاكر، فزوار المتحف أجمالا، لم يكونوا بذلك الزخم، فتمر أيام ولا يدخل الى المتحف زائر، وأحيانا يكون هناك زوار من مختلف المحافظات ونادرا ما كان يأتي سياح. كان للمتحف مديران، مدير مدني، وأخر عسكري هو ضابط أمن، طبعا أنا أتبع عسكريا لضابط الأمن، ولا علاقة للمدير المدني بنا كعسكريين، لاحظت تودده إلي، في البداية قلت في نفسي هو رجل مهذب، هو انسان محترم. فيما بعد، صار يراودني عن صديقاتي، اللواتي كن يزرنني مع زملاء أخرين، وكوني لم أطعه، فيما يريد، أسر إلى صديقه المدير العسكري ضابط الأمن، فقرر ضابط الأمن تربيتي، بطريقته، يريد أن يقرصني، ولا يؤذيني كثيرا، كي أخضع لمطلب المدير المدني، فقام بادعاء فقدان ثلاث ليرات من دفتر تحصيل شباك التذاكر، وبناء عليه، فقد تقرر سجني في فرع الأمن السياسي القريب في الجمارك، لا أذكر كم من الطوابق نزلت تحت الأرض، لأن عيوني كانت (مطمشة)، قضيت أسبوعي الأول بين روائح الرطوبة المقيتة، وبين نفسي، التي تكسرت، لا واسطة تخرجني، وليس لي أقرباء ذوي سلطة، لست نادما على دفاعي عن زميلاتي، لكن السجن شيء مقيت، جاء آمر السجن وصرخ بي: (هي أنت .. شو مفكر حالك بفندق يا …  قوم ولاك.. تع لهون) تسمرت روحي خوفا، هرعت إليه: نعم سيدي. تعال: انت من اليوم وطالع بتخدم المساجين ولك …، أدركت لاحقا أن مدة سجني قصيرة، لأنهم أعطوني هذه المهمة، هكذا فكرت، صرت أدور على زنازين المساجين، بعضهم كان عمره، يتجاوز السبعين عاما، كان لا يقوى على الحراك، وهناك سجين كنت أنظف من تحته برازه، لأنه كان مشلولا، بعضهم كان في سن الأربعين، أخرون في الخمسين، كنت أشفق على الرجال الأكبر في العمر، ننظفهم، نغسل لهم ملابسهم، فالمساجين الشباب، كانوا أقوياء على تحمل ظروف السجن، والتعذيب، الذي كانوا حين يقومون به بأحد المساجين، كنت أفقد وعيي، وأكاد في بعض الأحيان أن أبول تحتي من الخوف، تهم متنوعة، لا محاكمات هنا، ولا ضوء، في هذه السجون ربما تغيب عمرا كاملا ولا أحد يسأل عنك، قد تصل بعض الوساطات حتى باب الفرع، لكن الإجابة دائما ليس لدينا هذا الاسم، كانت جميع التهم أستطيع أن استوعبها، إلا واحدة، كان السجان دائما يحذرني من الاقتراب منه والانصياع لما يريد اذا ما دعاني، سألت عن تهمته، فلم يجبني أحد، في البداية، كان الشاب في العقد الثالث من عمره، أنيقا، وجميلا، ملابسه هو وحده بشكل خاص نظيفة، وطعامه مختلف، والسجانون يلبون ما يريد، والمساجين أيضا، لكن كانت تنتابه نوبات عصبية فيصرخ، ويتشنج، هو مجنون عمليا لكن لا أعلم لأية درجة، يأمر بالاستعداد، فأقوم من مكاني، وأستعد، ثم يأمرني بأوامر كثيرة غالبها أوامر عسكرية، وأنفذ ما يقول، لكنه بشكل عام كان وديعا، ليس شريرا، فهو لا يؤذي أحدا، سألت أكثر من مرة عن تهمته، حتى قربني ذات يوم، الرجل العجوز ذي السبعين عاما منه، وقال: هذا شاب كان يخدم كضابط ملازم مع باسل الأسد، وهو من أصدقائه، وفي يوم من الأيام، كان هذا الملازم، يتحدث مع زملاء ضباط أخرين عن الفساد، وعن ضرورة الوقوف بوجه الفساد، ومن سوء حظ هذا الضابط، أن باسل الأسد أثناء مروره في الثكنة العسكرية، بالقرب منه، توقف وأصغى من وراء (البراكية) وسمعه، وهو يتحدث، فأخذه من يده، وجاء به إلى هذا السجن، وقال لهم: بالحرف الواحد .. ما حدا بيطلعه غيري.. حين عرفت ذلك خفت كثيرا، فالشاب حين علم بموت باسل فقد عقله، فمن سيجرؤ على إخراجه من السجن، وباسل مات.      

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى