شامنا في حدود التجربة

رواد ابراهيم

بعد مرور أكثر من عام على إصدار جريدة شامنا في المناطق المحررة، تبين أن التعطش للقراءة الورقية المطبوعة كان صادما وغير متوقع في ظل انتشار ظاهرة (السوشيال ميديا ـ مواقع التواصل الاجتماعي)، وتمددها بين جنبات المجتمع بكل أطيافه وألوانه، تزامنا مع شيوع أفكار مسبقة سلبية عن صحافة مؤطرةٍ، كانت ـ ذات يومٍ ـ معبأةً بفكر ديكتاتوريةٍ تنتج صورة الناس من منطلق البعد الواحد.

لم تكن التجربة بالأمر السهل، لا سيما في زمن الثورة المعاند بما يرافقه من صراع حاد لمصادرة رواية الضحية، لجهة تمثيلها، أو جرها نحو حتفها وطمسها من نظام استبدادي من جانب، واستثمار عذاباتها على طاولة تصفيات الحسابات الدولية من جانب أخر، وبين إمكانيات بشرية وتقنية شحيحة من جراء نزيف العقول وفقدان التقنيات الهاربة.

كان الانحياز لصوت الثورة ولا يزال خيارا وجوديا، يتخطى مناظرات المعارك الثانوية، بعيدا عن سجالات الحالمين أو الواقعية السياسية، ذلك أن الفكرة على أرض الواقع للعمل، في وقت ينضح يفه خيارنا من معين المساهمة الجادة ذاتها، التي توثق منمنماتٍ هامةٍ تزين فسيفساء الرواية في وجه عواصف تحيط بنا من كل صوب، فلم تقف شامنا عند حدود التحدي أو الانزلاق نحو حضيض الإنشاء ولا السبق ولا تلميع سطوح ما يجري، بقدر ما يغذي وجودها استذكار تاريخ الثورة ورموزها كواحد من الخيارات الهامة في تثبيت أركان ما يحدث بصورته الصارخة الحقيقية على خلفية تدفق مساعي التعمية والطمس.

وشامنا ـ تشرفت بإفساح المجال على مصراعيه لأولئك الذين يريدون أن يقولوا الأشياء قبل أن تقولهم، لكل الذين يريدون أبداء الرأي سعياً في إثراء الحوار الفكري والسياسي السوري، وهي في مواضع أخرى أخذت بيد جيل الشباب الطموح رغم غضاضة تجربتهم، التي غادروا خلالها ثقافة الانشاء امام التقرير والحقيقة والواقع، وكونهم اللبنة الأساسية للمستقبل القريب تجرأت الجريدة على التغاضي عن المعايير المهنية في سبيل نيلهم لمفاتيح الكتابة.

أكثر من عامٍ استطاعت فيه شامنا أن تسلط الضوء على ثقافة المجتمع السوري، الذي تعرض لحالات مركبة من تهجير قسريٍ تبادل فيه السوريون أدوار النزوح والتهجير ما بين أمكنتهم ومجمعاتهم الجديدة القديمة، ضمن اندماجٍ اجتماعي للمهجرين والنازحين بموروثاتهم الثقافية والسياسية بشكل ملفتٍ للنظر، وفي مواضع أخرى شدت شامنا الرحال نحو عمق التاريخ ولامست حجارة الماضي الصلبة التي لك تكن تعني حضارتهم العريقة فقط بل واحدا من عناوين الإصرار والعزيمة نحو المستقبل

لاقت الجريدة قبولا واحتراما من مجتمعها الثائر، كونها مشروعاً ثورياً يصر على انتاج ما تقوله الناس، لا على انتاج ما يقال للناس، أو يزيف جرحهم النازف، رغم التحديات التي لا تزال كبيرة وإن اصطدمت التجربة بصعوبات هي اليوم من البديهيات لدى العامة والخاصة، ذلك أنها دفعت بالتمويل المشروط بعيداً عن أي من مساراتها، واتكأت على ارادة ثوارٍ سندوا بكل قوتهم مسارها رغم قلة حيلتهم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى