عمالة الأطفال في الشمال السّوري

إيمان محمد

يُطلّ الفجر على الشمال السوري بشكل مختلف عن مدن العالم، لا زقزقة عصافير هناك، ولا حركة حيوية في ساعات الفجر الأولى إلا قرب حاويات القمامة، حيث يتجمع بعض الأطفال صبية وفتيات، يجمعون ما تركه الأهالي خلال الليل من نفايات بلاستيكية، يتعاونون وبصبر منقطع النظير يتناوبون لاستخراج ما يُباع، ثم ينتقلون إلى المرحلة التالية، وهي عرضها للبيع، يتحركون بخفة، بثياب ممزقة، ووجوه علاها السواد، فأخفى ملامحها البريئة والجميلة، ليترك أثراً من الشقاء والألم، والنضج قبل الأوان.

ذات مساء، كنت عائدة من عملي اليومي، ومعي بعض الطعام، صادفت طفلين ممن يُعرفون بـ (جامعي النايلون)، أي الأشياء البلاستيكية، وحاولت كثيراً إقناعهما بأخذ الطعام، لكن طلبي قُوبل بالرفض، قال أحدهما بالحرف الواحد: (سأبيع ما لديَّ وأشتري طعامي بنفسي)!

لم أستطع تحديد مشاعري حينها، هل أشعر بالفخر والتقدير لهذا الصبي، الذي لم يتجاوز الثالثة عشرة من عمره، لاعتداده بنفسه وبكرامته، ورفضه العطية من أحد، أم أغالب حزني الكبير أمام طفولةٍ، تضيع، وتتلاشى في أعمال منهكة، تختلس منه الحلم والمستقبل، إن كتبت له حياة، فهو معرض لأمراض كثيرة من جراء البحث في النفايات، وقلة الغذاء وانعدام الدواء والعيش في ظروفٍ غير إنسانية، الأمر الذي جعلني أفكر بالفئة الأوفر حظاً منه، تلك التي بدأت تعمل في مهنٍ ثابتة، لكنها أيضاً مغيبة عن الحلم.

نادراً ما أدخل متجراً، أو محل صرافة، أو بقالية، أو دكاناً صغيراً، إلا وأجد داخله طفلاً في التاسعة أو دون ذلك من العمر يبيع، ويشتري، أضف إلى ذلك مهن الحدادة، والنجارة، وإصلاح السيارات، الأطفال في كل مكان، يتوزعون بكثافة، ويغطون كل المهن، فقد اعتادوا الجلوس في تلك الأماكن منذ أن عرفوا الحياة، وتعلموا كيفية الحديث مع الزبون، وكيف تُحسب الأسعار، وكيف يكسبون الصفقة، ويحققون الربح، ولكنهم لا يدرون حقيقة أنهم المورد البشري الأوفر بالنسبة للتجار، وأصحاب المهن، فأجورهم منخفضة إن لم تكن معدومة، ولا ضمانات لديهم، أضف إلى أنهم دائماً محط اتهام في حال وجود أيّ خلل، لا مجال لأن يدافعوا عن حق، ولا أن يدفعوا تهمة، وهم في ذلك كله أمام مأزق كبير، يتمثل في غياب البديل المادي، أو ضمان الحقوق، أو الدعم المعنوي.

مازالت صورة ذلك الفتى الصغير، الذي أخطأ في سعر قطعة الشوكولا، التي اشتريتها ماثلة في ذهني، يومها اشتريت، ودفعت له الثمن، ثم نسيت شراء غرض آخر، وعدت إلى ذات المتجر، لأجد البائع، يوبخ الصبي بقسوة، فيما كان منهاراً بالبكاء، ويومها قلت له أن حل الأمر بسيط، فأنا أتردد دائماً على المحل، وما من داع لتعريض الطفل لهذا الألم، لكنني فهمت من ملامح وجه البائع أنه سيستمر بأسلوب العنف، فهو يعتبر نفسه القوة، التي لا سبيل للتخفيف منها، فما الذي يقنعه بالتغيير إن لم يكن هنالك أيّ مقابل مادي، في زمن بات الإنسان فيه سلعة.

يضطر عدد كبير من أطفال الشمال السوري للعمل، وترك الدراسة بشكل نهائي بسبب ظروفهم الصعبة، فئة كبيرةٌ، تُعتبرُ المعيلة الأساسية للأسرة، يُعتمد عليها في تأمين القوت اليومي، وكثيراً ما سألت هذه الفئة، هل تذهب إلى المدرسة؟ فكان الجواب أن: لا أستطيع، يجب أن أعمل، ومن هذا المنطلق، تغدو مهمة إقناع هذه الفئة بالعودة للمدرسة، وتنظيم الوقت أمراً أشبه بالمستحيل، ومن جانب آخر فإقناع المدرسة أن تهتم بهذه الفئة فتعطيها جزءاً من الاهتمام أمراً مستحيلاً، كذلك في ظل قلة الكوادر، وازدحام الصفوف اليومية بأعداد هائلة من الطلاب، بسبب قلة عدد المدارس، وقلة عدد المشاريع المهتمة بالتعليم، والتي تعمل عليه.

تتجند من ناحية أخرى بعض المشاريع التعليمية الخاصة لسد شيء من النقص، فتتجه نحو التعليم المسرّع، الذي يحتاج أيضاً إلى منهجية استقطاب، وخطط التزام بمعايير محددة لتلمس نتائج واضحة لدى هذه الفئة من الأطفال، وهي على قلّتها، لا تفي بالغرض أيضاً، ليعود الطفل إلى العمل، الذي اعتاد عليه، وطريقة الحياة العشوائية غير الملزمة بالتعليم أو الدخول إلى مجتمع الطفولة، والتدرج به نحو الشباب، فيجد الطفل، الذي يعمل نفسه قد كبر فجأة، وبات غارقاً في مطالب حياة لا تنتهي، يسبقه الزمن، ويسرق منه الوقت كل أحلام الطفولة، ويفقد أهم حق من حقوقه في الحياة «التعليم»، ليكون عرضة للتحايل، والخداع.

وتغدو المهن القاسية، التي يضطر الأطفال للعمل فيها من أكثر مصادر الخطر على صحتهم، بل على حياتهم، فهم يتعرضون إلى حوادث كثيرة، سببها الإمساك بأدوات حادة، أو حمل أشياء ثقيلة، أو العمل في أماكن خطرة، قد يودي خطأ واحد يحدث هناك بحياتهم، فضلاً عن تعرض شرائح منهم لخطر العمل تحت ضغوط القذائف، والرصاص في واقع حرب شرسة، فإن لم تصبهم مشكلات العمل الخطر، لقوا حتفهم بسبب خطر القصف، ولا مُطالب بحقهم.

تأتي، أيضاً، مشكلات التهجير المتكرر، والاضطرار للتنقل من مكانٍ لآخر، بمثابة الضربة القاضية على الأطفال، فهم في تلك الحالة يفقدون كل شيء، ويجدون أنفسهم في مناطق جغرافية جديدة وغامضة، تطالبهم بأن يكونوا فيها كباراً، وأقوياء، وناضجين، الأمر الذي يصعب توفره بشكل عام لدى الجميع، فتضيع كرامتهم، وتتبعثر مشاعرهم، وهم يستجدون الناس بحثاً عن احتياجاتهم الأساسية، وعند مخاطبة البالغين عنهم، نجدهم بلا حول ولا قوة، ففي ظل تلك الظروف الصعبة، تغدو عمالة الأطفال أقل امتهاناً للكرامة الإنسانية من التسول، وتغدو مطالبتهم بأمور كالتعليم، والصحة، واللعب أموراً تُبحث في أبواب الرفاهية.

إن النظر إلى المستقبل من منطلقات الحاضر، قد لا يبشر كثيراً بالخير، فلا مستقبل لنا إن لم نقدم العناية الوافرة بمن سيكبرون، ويقومون ببنائه غداً، وإن وجود بقعة أرض للأحرار، يقاومون فيها نظاماً شرساً، لابد أن يُنظر إليها بعين العناية والتقدير، لا بعين التوجع والمأساة، إذ لابد من أن تتجند فيه المؤسسات الأهلية، والمنظمات المتخصصة بالتعليم، فتوجد حلولاً واقعية لهذه الشريحة، وأن توضع خططاً مدروسة لرعاية الأسر غير القادرة، وتأهيل البالغين فيها، فلا خير في مجتمع لا يكفل أفراده بعضهم بعضاً، ولا خير في كبار، بعثروا اهتماماتهم، وتركوا الأطفال نهباً للخطر، والعمالة، وهم أهم استثمار للمستقبل، في ظل العيش في اللحظة الآنيّة.

تصوير: محمد علوش

الصورة لطفل بجمع البلاستيك لبيعها لتأمين لقمة العيش

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى