نعمة العلّواني.. سجينة الفكرة

عزام الخالدي 

منذ الصيحة الأولى للثورة السورية، التي شارفت على توديع عامها العاشر، لا تزال أجهزة الأمن التابعة لـ «نظام» الأسد، تشنِّ حملات اعتقال، لا فرق فيها بين كبير أو صغير، ولا بين رجل أو امرأة.

نعمة العلّواني ناشطة صحفية، معتقلة سابقة في سجون الأسد، مثل آلاف المعتقلات، اللّواتي يقبعن في أقبية ظلم لا ترحم، تروي قصتها قائلة: أنا نعمة العلّواني من مواليد 8-1-1992م، أنحدر من مدينة حِمص السورية، مثلي مثل بقية الثائرين، خرجت مطالبة بالحرية والكرامة، وإسقاط «نظام» الأسد، بعد المظاهرات، التي خرجت بآذار 2011م.

عملتُ منذ البداية على توثيق المظاهرات، التي كانت تخرج في مدينتي، كناشطة تحاول نقل صورة الناس، حتى يسمع صوتهم العالم أجمع، لكن قبضة الظالم كانت محكمة، وكادت أن تكون قاتلة أيضاً، ليس ذلك ما مورس بحقي فقط، بل شرب من هذا الكأس آلاف السوريين.

اعتقلت بفرع الأمن السياسي في مدنية طرطوس بتاريخ 20-10-2013م، بعد أن وصلت ركابنا إليها، طبعًا جاء ذلك بعد رحلة تهجير طويلة، من حمص إلى داريا إلى طرطوس.

كانت تهمة الاعتقال كبيرة، وكادت تودي بحياتي إلى الموت، فقد وجهوا لي تهمة نقل الأسلحة من ريف طرطوس إلى مناطق الثوار، إضافة إلى تهمة سحب عناصر الجيش المنشقين إلى مناطق الثوار.

كنت الفتاة الوحيدة في الفرع الأمني آن ذاك، معاملتهم المستفزة للغاية، تجعلني بمثابة قطعة شهية، ستكون مصدر معلومات عن مناطق، قطنت فيها.

عشت هناك مرحلة عذاب نفسيّة، فأنت مجهول التهمة، لا تعلم متى يدخل أحد ليخبرك أنك فعلت هذا الأمر، وتجبرك قسوتهم على الإقرار بما لم تفعله أو ما لا تعلم عنه شيئًا.

 تحولت من الفرع الأمني بطرطوس إلى فرع الأمن السياسي بدمشق، كانت رحلة الطريق شاقة ومتعبة، خاصة أنها مرحلة خطرة، والاشتباكات دائرة بين (نظام) الأسد، والثوار.

 نافذة الحافلة، التي كانت تنقلنا إلى دمشق كانت مكشوفة، مما أتاح أي رؤية أطراف حمص، شعرت حينها بفداحة الأسر، أنا أسيرة وطن، أسيرة فكرة، أسيرة ثورة، أسيرة الكلبشات، التي بيدي، كانت لحظات تحبس الأنفاس، أحسست أنني كطائر يحلم بالحرية وهو بداخل قفص يقيّد، جسد من لحم ودم وحلم، والذنب الوحيد أنني طالبت بالحرية.

 خلال فترة السجن، رأيت شرائح مختلفة من المجتمع، الغني والفقير، المسيحي والسُّني والدرزي، وحتى العلوي أحيانًا، كلهم مسجونون تحت ذرائع وتهم مختلفة، ومخلصها المساس بأمن الدولة كما يدّعون.

كان الطقس في ذلك الشتاء باردا، رأيت مشاهد مؤلمة، بشر بدون لباس، بدون أحذية، بدون دفء، شعب بأكمله يعيش داخل السجون دون أدنى مقومات الحياة.

بعد وصولنا لفرع الأمن السياسي بدمشق، كان استقبالنا بالضرب، والتوبيخ، والإهانات، والأصوات المرتفعة، شعرت أنني أسير نحو الموت لا محالة، لا أعلم ما الذي ينتظرني بالداخل، أسير إلى المجهول.

 بعد عدّة أشهر، خرجت من السجن، أنا الآن خارج القضبان، أتنفس الحرية من جديد، لكن بقي هناك كثير من المسجونين ظلمًا، لا تزال تغيبهم أقبية الأسد حتى اللحظة، هؤلاء هم ضحية الصوت والكلمة، هم ضحية ثورة طالبت بالحقوق المسلوبة، كانوا فقط يحلمون أن يعيشوا حياة كالحياة لا أكثر.

 المعتقلون، هم أُناس حقيقيون موجودون الان خلف القضبان، حتى إن نسيناهم، هم أشخاص يعانون، ولا يزال الألم مستمراً، ويتكرر كل يوم، يجب أن نكون على وعي بهذا الأمر، وليس فقط أن نسرد أحاديثهم كحبر على ورق.. إنهم بشر من لحم ودم.. إنهم بشر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى